الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

312

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إليه ثمة وهنا مسألة أخرى نظير المسألة المذكورة وهي أنه إذا تعلق الأمر بالكل فلم يتمكن المكلف من الإتيان ببعض أجزائه فهل يسقط التكليف بالكل أو أنه يجب الإتيان به على حسب ما يتمكن من أجزائه إلا أن يقوم دليل على السقوط وأيضا إذا تعمد ترك الإتيان ببعض أجزائه فهل الأصل حصول الامتثال على قدر ما يأتي به منها أو أنه لا امتثال إلا بأداء الكل ونحن نفصل البحث في جميع الصور المذكورة إن شاء الله إلا أنا نتكلم أولا فيما هو محل البحث في المقام ثم نتبعه بالكلام في سائر الأقسام فنقول إذا صدر من الأمر توقيت الفعل بزمان مخصوص فإما أن يتعلق الأمر بالفعل مقيدا بالزمان المفروض أو يتعلق بالفعل مطلقا ثم ما يأمر بإتيانه في الوقت المعين وعلى التقديرين فإما أن يعلم أن المطلوب حصول المقيد بما هو مقيدا ويعلم كون كل من المطلق والخصوصية مطلوبا له أو لا يعلم شيء من الأمرين والحال في الأول والثاني ظاهر وأما الثالث فهل الأصل إلحاقه بالصورة الأولى أو الثانية اختلفوا فيه على قولين والمعروف بينهم هو الأول فقالوا بتوقف وجوب القضاء على أمر جديد وقيل بعدم توقفه بالمرة ووجوب القضاء بعد فوات الوقت من جهة الأمر الأول وبنى العضدي الخلاف في ذلك على أن المأمور به من قولنا صم يوم الجمعة شيئان في الخارج أو شيء واحد فالمطلق والخصوصية متعددان بحسب الوجود الخارجي في الأول ومتحدان على الثاني وإن تعددا بحسب المفهوم الذهني وعبر عن كل منهما بلفظ وجعل ذلك مبنيا على الخلاف في كون الجنس والفصل متميزين بحسب الوجود الخارجي أو متحدين ومقصوده أن اتحاد المطلق والخصوصية بحسب الوجود مع تعلق التكليف بالمقيد قاض بانتفاء التكليف بالمطلوب بعد فوات قيده قطعا إذ المفروض انتفاء المأمور به بفوات ذلك قطعا وتكليفه بحصة أخرى من المطلق يتوقف على أمر جديد فلا يعقل القول بوجوب المطلق حينئذ بالأمر الأول وأما إذا قيل بكونهما شيئين بحسب الوجود فبعد تعلق الوجوب بهما يتجه القول ببقاء وجوب المطلق بعد فوات القيد استصحابا لوجوبه الثابت حال وجوب القيد من غير قيام دليل على ارتفاعها بارتفاعه وأورد عليه تارة بأن كونهما شيئين في الخارج لا يقتضي كون القضاء بالفرض الأول ولا ينافي كونه بأمر جديد لاحتمال أن يكون غرض الأمر بالإتيان بهما مجتمعا فمع انتفاء أحدهما ينتفي الاجتماع وأخرى بأنه لا يفيد كونها شيئا واحدا في نفي كون القضاء بالأمر الأول لاحتمال كون المراد هو الإتيان بالمطلق لا بشرط الخصوصية وإنما ذكر المقيد لحصول المطلق في ضمنه من غير اعتبار الخصوصية الحاصلة معه فلا ينتفي المطلق بفوات القيد وأورد على الأول بما عرفت من أن المأمور به إذا كان معتذرا في الخارج لم يكن مجرد زوال أحدهما قاضيا بزوال الآخر وقضية الأصل حينئذ بقاؤه نعم لو علم إناطة أحدهما بالآخر في ثبوت الحكم ثبت ذلك إلا أنه غير معلوم بخلاف ما إذا كانا متحدين في الخارج فإن ارتفاع أحدهما عين ارتفاع الآخر ويدفعه أن ذلك لو تم فإنما يتم إذا تعلق الوجوب بكل من الأمرين وشك في ارتباط وجوب أحدهما بالآخر فإنه قد يقال حينئذ بأصالة عدم ربط الأمر بأحدهما للأمر بالآخر مع أنه مشكل أيضا وأما إذا قيل بتعلق الأمر بهما معا من غير تعلقه بخصوص شيء منهما إلا بالتبع على نحو وجوب المقدمة على القول به فلا مجال لما ذكر فإنه مع الشك في تعلق الأمر بالمجموع من حيث هو مجموع أو بخصوص كل منهما لا يعقل القول بكون الأصل تعلقه بكل منهما أولا لاستصحاب بقاء وجوب أحدهما بعد انتفاء الآخر وحينئذ فالإيراد المذكور متجه جدا يرد على الثاني خروج الفروض المذكور عن محل النزاع فإن مورد البحث ما إذا كانت الخصوصية مطلوبة إذ المفروض توقيت الوجوب وكون الخارج عن الوقت قضاء فلا وجه لإبداء الاحتمال المذكور ثانيها اختلفوا في أن المطلوب بالأمر هل هي الطبيعة المطلقة والماهية الكلية الطبيعة أو خصوص الأفراد والجزئيات المندرجة تحت تلك الماهية على قولين والأكثر على الأول والمختار عند جماعة منهم الحاجبي هو الثاني حجة القول الأول أن المتبادر من الأوامر هو طلب مطلق الطبيعة حسب ما مرت الإشارة إليها مرارا عديدة فيكون حقيقة في ذلك لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة وأنها مأخوذة من المصادر الغير المنونة والمعرفة وهي حقيقة في الماهية المطلقة حسب ما هو المتبادر منها والمحكي فيه عن السكاكي إجماع أهل العربية ومفاد الصيغة بحكم التبادر ليس إلا الطلب فيكون مفاد الأمر هو طلب الطبيعة فلا دلالة فيها على طلب الفرد ويرد على الأول أنه إن أريد به عدم دلالة الصيغة بمقتضى التبادر على تعلق الطلب بالخصوصية المأخوذة في الفرد ليكون التكليف منوطا بالطبيعة والخصوصية معا فالأمر كما ذكر ولا يظهر من كلام القائل بتعلقه بالفرد إرادة ذلك لوضوح الفساد فإن الخصوصيات اللاحقة للأفراد لا تندرج في مفاد الأمر حتى تفيد الصيغة تعلق الطلب بها بل وكذا الخصوصية المطلوب على أنها لا تجعلها جزئية ليقضي بتعلق الأمر بجزئيات الطبيعة على ما هو منظور القائل المذكور وإن أريد به عدم تعلق الطلب بأفراد الطبيعة بملاحظة كونها مصاديق لتلك الطبيعة وكون الطبيعة ملحوظة على وجه يسري الحكم منها إلى أفرادها فيكون المحكوم عليه في الأخبارات هو الأفراد المندرجة تحتها كما هو في القضايا المسورة [ المحصورة ] ويكون الطلب بالإنشاءات متعلقة بمصاديقها من حيث كون الطبيعة عنوانا لها فهو ممنوع بل ليس المفهوم عرفا من القضايا المتعارفة إلا غير ذلك فإنه إذا قيل الصلاة واجبة أو البيع حلال ونحو ذلك كان المفهوم عرفا هو ما قلناه حسب ما نصوا عليه في بحث المعرف باللام وأثبتوا كونها محصورة كلية بدليل الحكمة وإن كانت المهملة في قوة الجزئية عند المنطقيين وكذا المفهوم من صل وبع فإن الظاهر هو الصلاة أو البيع من حيث كونه عنوانا لمصداقه فيكون الطلب قد تعلق بالمصداق على ما هو الحال في القضية حسب ما ذكرنا فالمستفاد من صل والصلاة واجبة أمر واحد تكون المتبادر من اللفظ هو الطبيعة المطلقة لا ينافي تعلق الطلب بالمصداق نظرا إلى كون الطبيعة عنوانا له وحمل كلام القائل بتعلق الأوامر بالجزئيات على إرادة ذلك غير بعيد بل هو الظاهر وحينئذ فلا دلالة في التبادر المدعى على رفع القول المذكور ومن ذلك يظهر الحال في الدليل الثاني فإن كون معناه المؤدى هو الماهية لا بشرط شيء لا تنافي كون المطلوب مصاديق تلك الماهية إذ الماهية قد تعتبر بحيث يسري الحكم هنا إلى أفرادها ويكون الحكم عليها حكما على أفرادها ويلفظ بحيث لا يسري الحكم منها إلى الفرد كما في القضية الطبيعية ومن البين أن الشائع في الاستعمال هو مطلوبية الماهيات على الوجه المذكور غير مطلوبية الأفراد على الوجه